حسن الأمين

129

مستدركات أعيان الشيعة

وفي هذه الأثناء التي كان يسعى فيها البهبهاني ليجد مبررا ليبرز معارضته علنا ، نشرت في طهران صورة ( للمسيو نوز ) ( 1 ) مع معاونه البلجيكي وهما بلباس رجال الدين ، وأثارت غضب المجتمع الفقهائي . وكانت هذه الصورة قد التقطت في إحدى المجالس وأعطيت للأتابك لمحض الذكرى ، فتمكن الميرزا مصطفى الآشتياني من استخراجها من منزل الأتابك . وفي أيام محرم 1323 ، اعتلى البهبهاني المنبر في منزله ، وأظهر صورة ( نوز ) للناس ، وتكلم بلسانه اللبق عن الإهانة الموجهة إلى لباس رجال الدين وعن الأضرار التي ألحقها نوز باقتصاد البلاد ، وطالب بعزله . وقد حرك كلام البهبهاني الناس في البازار فتظاهروا ضد ( نوز ) . كان ( نوز ) قد استخدم في زمن أمين الدولة ، وأتى إلى إيران سنة 1316 مع اثنين من معاونيه في الدورة الثالثة لصدارة الأتابك ، وكان يقوم بدور رئيسي في ترتيب القروض وحفظ المنافع الروسية لمدة ست سنوات ، ورغم ذلك لم يبد البهبهاني والتجار مدة السنوات الست تلك أي اعتراض على تصرفات نوز ، بل كان دفاعهم عن الأتابك وقروضه يحمل ضمنا تأييدهم لأعمال نوز . أما الآن فقد اختلفت الموازين ، لقد صار موضوع نوز حجة لمخالفة الدولة لأجل بلوغ أهداف سياسية أكبر ، كما أن السفارة الإنكليزية التي كانت تعتبر نوز أحد أقوى عوامل السيطرة الاقتصادية والسياسية الروسية في إيران ، استفادت من الظرف الراهن وانشغلت بإثارة الناس في معارضة نوز . فاضطر نوز بعد عدة أشهر لمغادرة البلاد إلى أوروبا ، بعنوان الإجازة . وفي شهر ربيع الثاني سنة 1323 ، بدأ السفر الثالث لمظفر الدين شاه إلى أوروبا ، وكان سفرا مليئا بالأضرار وبلا أية فوائد ، ورافق عين الدولة الشاه في هذا السفر . وقدم إلى طهران ولي العهد محمد علي ميرزا ليتصدى لإدارة البلاد في غياب الشاه . توجه ولي العهد إلى منزل البهبهاني وأعطاه - على ما يقال - مبلغا من المال طالبا منه أن لا يقوم بما يعكر [ الأججواء ] الأجواء ويخرق هدوء العاصمة حتى عودة الشاه ، وهكذا حصل . فلم يحدث في غياب الشاه أي حادث مهم سوى اعتصام التجار في مقام ( عبد العظيم ) ضد نوز ، وانتهت هذه الحادثة بجهود ولي العهد . وفي شهر شعبان [ ] 1323 عاد الشاه وعين الدولة والمرافقون إلى العاصمة ، وابتداء من هذا التاريخ بدأ البهبهاني يعمل بعزيمة راسخة ، فدعا بواسطة معتمد الإسلام والميرزا مصطفى الآشتياني عددا من رجال الدين للتعاون معه في مخالفة الدولة ، ولكنه لم يلق استجابة تامة ، ووافقه في ذلك السيد محمد الطباطبائي بشرط أن لا يكون هناك أية غايات ومارب شخصية . كان الطباطبائي يعتقد بان عزل علاء الدولة ونوز هو هدف صغير ، ويجب أن يكون الهدف أكبر من ذلك . وصار يميل شيئا فشيئا إلى إيجاد بيت العدالة ( أو محكمة العدل ( عدالتخانه ) ) وأن يرسل ممثلي ونواب الشعب إلى بيت العدالة لمراقبة أعمال الدولة . وفي ليلة 25 شهر رمضان 1323 توجه البهبهاني إلى منزل الطباطبائي وتحالفا جاعلين هدفهما عزل عين الدولة وتأسيس ( بيت العدالة ) . ومن حينها فصاعدا أضحى انتقاد الدولة علنيا ، وبدأ البهبهاني والطباطبائي بدون أية خشية ووجل يوقظون أفكار الشعب ، وعلت على المنابر أصوات الوعاظ أمثال ( الشيخ الرئيس قاجار ) و ( سلطان المحققين ) و ( بهاء الواعظين ) و ( السيد جمال الدين ) و ( ملك المتكلمين ) طارحة مواضيع : الحرية والعدالة والقانون ، ساعين إلى إثارة الرأي العام . وانتفض مخالفو الدولة وأنصار الأتابك وجمع من التجار مؤيدين البهبهاني والطباطبائي سرا وعلانية ، ووصلت إليهما في هذا السبيل مساعدات مادية ومعنوية . وكانت الدولة الإنكليزية عازمة بعد فراغها من حروب إفريقيا على تغيير وضع حكومة إيران ، وتحصيل موقع مميز في سياسة هذه الدولة ، فاستفادت من هذه الحوادث وبدأت بتحريك المخالفين وتقويتهم . وطلب عدد من العاملين في تلك السفارة اجراء لقاءات مع رؤساء المشروطة ( المطالبين بالحكم النيابي الدستوري ) ، مقدمين الضمانات اللازمة على أن السفارة لن تتوانى في تقديم المساعدات المادية والمعنوية في سبيل تحصيل الحرية وتغيير الحكومة حتى النصر النهائي . وأدت هذه الاتصالات والضمانات إلى تشجيع المخالفين ، كما قدمت السفارة العثمانية مساعدات أيضا ، وكانت النتيجة أن تعاظمت قوة تشكيلات مخالفي الدولة بقيادة البهبهاني والطباطبائي . وفي هذه الأثناء ارتفع سعر السكر في طهران ، حيث اتخذ التجار المحتكرون من الحرب الروسية اليابانية ذريعة لرفع « من » السكر من خمسة ريالات إلى سبعة ريالات ، ولكي يقوموا بذلك أخفوا السكر لعدة أيام ، فبدأت قصة تأديب التجار المحتكرين . وفي الرابع عشر من شهر شوال [ ] 1323 أضرب بإزار طهران ، واجتمع الناس في ( مسجد الشاه ) وأيدهم مجموعة من رجال الدين ، وطالبوا بعزل علاء الدولة . وأقدم السيد أبو القاسم إمام الجمعة على اتخاذ بعض الاجراءات ليلفت أنظار التجار ويهدئ الوضع ، ولكنها لم تفد . وصعدت دولة عين الدولة المغرور من اجراءاتها اعتقادا منها أنها تستطيع أن تمنع جميع الحوادث بالقوة . فاضطر البهبهاني والطباطبائي والسيد ( جمال أفجه ئي ) وعدد آخر من المجتهدين ومعهم مجموعة من الطلاب والتجار إلى اختيار الاعتصام في مقام عبد العظيم . وبدأت جموع الملتجئين إلى المقام تزداد يوما بعد يوم ، وتصاعدت نبرة الخطابات المضادة للدولة ومؤسساتها ، وكان مخالفو عين الدولة وأنصار الأتابك وظل السلطان وسالار الدولة يتولون مصاريف إقامة الآلاف المؤلفة المتحصنة في المقام ، كما أن السفارة الإنكليزية دعمت هذه الانتفاضة سرا بمقادير من الأموال ، وكان التجار أيضا يدفعون مبالغ من الأموال . ورغم ما اشتهر وأذيع من أن الحاج محمد تقي والحاج محمد حسن والتجار هم الذين يتولون كافة المصارف ، إلا أن الواقع لم يكن كذلك ، بل الحقيقة أن الحاج محمد تقي وأخاه كانا

--> ( 1 ) كان نوز كالأتابك ، سدا محكما في وجه الإنكليز ، وكان يدير السياسة الاقتصادية لإيران لصالح الروس ، ويمنع نشاطات الإنكليز حيثما وطات أقدامهم حتى في سيستان وبلوجستان .